أبي نعيم الأصبهاني

136

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

فالسار فيها غار ، والنافع فيها عدا صار « 1 » ، وصل الرخاء فيها بالبلاء ، وجعل البقاء فيها إلى فناء ، سرورها مشوب بالحزن ، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن ، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق ، ولا تنظر نظر العاشق الوامق واعلم أنها تزيل الثاوى الساكن ، وتفجع المغرور الآمن . لا يرجع ما تولى منها فادبر ، ولا يدرى ما هو آت فيها فينتظر . فاحذرها فإن أمانيها كاذبة ، وإن آمالها باطلة ، عيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأنت منها على خطر . إما نعمة زائلة ، وإما بلية نازلة ، وإما مصيبة موجعة ، وإما منية قاضية ، فلقد كدت عليه المعيشة إن عقل ، وهو من النعماء على خطر ، ومن البلوى على حذر ، ومن المنايا على يقين ؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر ، ولم يضرب لها مثلا ، ولم يأمر فيها بزهد ؛ لكانت . الدار قد أيقظت النائم ، ونبهت الغافل ، فكيف وقد جاء من اللّه تعالى عنها زاجر ، وفيها واعظ . فما لها عند اللّه عز وجل قدر ، ولا لها عند اللّه تعالى وزن من الصغر ، ولا تزن عند اللّه تعالى مقدار حصاة من الحصا ، ولا مقدار ثراه في جميع الثرى « 2 » ، ولا خلق خلقا - فيما بلغت - أبغض إليه من الدنيا ، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتالها ، ولقد عرضت على نبينا صلى اللّه عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها ، وما منعه من القبول لها ، ولا ينقصه عند اللّه تعالى شيء إلا أنه علم أن اللّه تعالى أبغض شيئا فأبغضه ، وصغر شيئا فصغره ، ووضع شيئا فوضعه ، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها ، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه ، وأن يرفع ما وضع مليكه . ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن اللّه تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثوابا المطيعين ، وأن يجعل عقوبتها عذابا للعاصين . فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها . وقد يدلك على شر هذه الدار أن اللّه تعالى

--> ( 1 ) في ز : فالسار فيها غار والباقي فيها غذاء ضار . ( 2 ) من هنا إلى قوله وقد يكفى العاقل عن الأزهرية فقط ، ولم يثبته في المختصر